ومضات على أنات نايٍ قديِم ٍ
لـ كرم الصبّاغ
بقلم الناقد: سيد جمعه
وفقاً للمتفق عليهِ من التعريف بالقصة القصيرة " أنها نوعٌ أدبيّ ويكونُ سردًا حكائيًّا نثريًّا أقصر من الرواية، وتهدف إلى تقديم حدثٍ وحيد غالبًا ضمن مدة زمنية قصيرة ومكانٍ محدود ، وغالبا ما تُعبر عن موقفٍ أو جانبٍ من جوانب الحياة ، و أيضاً يكون السردِ للحدث في القصة القصيرة متحدًا ومنسجمًا دون تشتيت " .
أبدأ بهذا دون الحاجة إلى استعراض ما نعرفهُ جميعًا عن القصة القصيرة تأسيسًا ورواداً لها ؛ معروفين عالمياً وعربياً ، لأنه يبدو في الغالب كاستعراض لثقافة ومعلومات الناقد ؛ يُقصي أو يُزيحُ أو يطغى به علي النص نفسهِ .
وفي هذه المجموعة القصصية لأديبنا وناقدنا الأستاذ. كرم الصباغ ...
" كــــنـــوحٍ نـــايٍ قـــد يـــم"
يَشدُنا ويبهرنا غلافها بخلفية لونيّة تجعلُ البؤرة البصرية تتركز حول الشخصين لإدراكِ ملامحهما المخالفة كرجلٍ و امرأة - لشكل النصوص والمحتوى - تمهيدًا لاجتياز ما بعد العتبة ِ ، بعنوان متميز فكانت الألوان والصورة التعبيرية وما فيهما من رومانسية حالمة تتسق مع العنوان فقط دون المحتوى الذي اختاره بِذكاءٍ للمجموعة كلها ؛ فحرفِ ( كاف التشبيه ) بكلمة البوح لهُ إيقاعِ موسيقي يتماهى مع هو معروفٍ عن الناي ككلمة لها مدلولٍ خاص بها كأداة موسيقية تتسم بإيقاعٍ رومانسي حالم يُعبر في الغالب عن ذكرياتٍ إِظهارها وتوضيحها يحملَ في الغالب شيٍء من الشجن تستعذبه النفسِ في وقت الصفاءِ أو استعادة خاصة عندما يتداعى ضباب الحاضر ومطر الواقع الكثيف.
المجموعة تنقسمُ إلى قسمين مِن القصص؛ القسم الأول يحملُ اسم " لحنٌ قديم يجلو الصّدأ " عدد قصصهِ ( ١٣ ) ؛ والثاني " لحنُ البَوارِ " وعددِها ( ٩ ) قصصٍ . يربطُ بينها درجات صوت الناي الذي يعكسُ قدرًا من الشجن المصاحبُ للألم والوجعِ و قَدر عُمق الجُرحِ و مصّدرهِ و اتساع مساحتهِ وقُرب أو بُعد المسافة الزمنية بين حدوثه واستعادة ذكريات ولحظات حدوثهِ ؛ و أن حدَّة الإحساس بالألم تتباين عند استعادتها في كلّ مرّةٍ ؛ لكن الذاكرة تحتفظ بحدتهِ وقوتهِ لوقتِ الحاجة.
ولأن كاتبنا يُدركُ ذلك فقد حشد وانتقى كلماتهِ وتعبيراتهِ بحرفية واقتدار بالغٍ حتى أننا نشعر برقي اللفظ والكلمة والجملة نفسها اختزالًا ودقةً فتُمتُعنا بجماليات اللغة العربية بالفعل ؛ وذلك كُلهِ ليؤكد و يستشعرُ المتلقي بِحدّة وِعُمق الألمِ ، ألمْ حَدث اللحظة و مسببات هذا الألم وتأثيراتهِ التي تُحدث تغييراً عميقاً في مسار حياة الشخصية ، وأيضا تعكسُ قدرتهِ السرديّة في تحويل المشهد الآني للوحةٍ تموجُ عناصرها بحركةٍ عميقةِ في التكوين والدلالات البصريّة والفكريّة.
وهذه الفقرة من قصة " ذكريات مُستعملة " قَد تُدلل على ذلك :
" في الآونة الأخيرة راجتْ الأحزان، وضجَّت الشَّوارع بأصحاب الشَّرائط اللَّاصقة، والرءوس المنتفخة؛ وَوفقَ قانونٍ العرضِ، والطلبِ، بِتُ غيرَ مُضطرٍّ إلى عزفِ اللَّحن إلى آخره، يكفيني فَقَطْ أَنْ أعزف مطلعه؛ فتخرج الذِّكريات السَّجينة بعد لحظاتٍ من تلك الرُّءوسِ، وتنداح على وجوه أصحابها، وتأخذ طريقها إلى سَلَّتِي الفارغة. وبعدَ أَنْ تتمَّ المبادلة أراهم يمضون إلى حال سبيلهم، وقَدْ ارتسمت ابتساماتٌ شاحبةٌ على شفاههم الَّتي تَحرَّرت من شرائطها للتَّو. ومن وقتٍ إلى آخر أراهم يلتفتون إلى الوراء برءوسٍ عادت مَرَّةً أخرى إلى حجمها الطَّبيعيَّ ؛ فأبصر في عينهم نظرات الامتنان، تمتدُّ إلى نايي، الَّذي خلَّصهم- و لو مؤقتًا- من عذاب اجترار الذكريات."
وكنموذجِ على إيقاع الكلمة و جمال الاختزال و دون ما إسهاب ٍفي وصف المشهد انتقي هذه الفقرة من " قصة طريق " :
" أمضي في طريقي، أقطع ثلاثة كيلومترات كاملةً ذهابًا، وأقطع مثلها إيابًا، والعذابُ كُلّ العذاب يبدأ مع حلول الشّتاء؛ فالأرض تمسي كالعجين، والكلاب تزمجر، و لا فرصة للهروب، أو الركض؛ إذ يعيق الطِّين الهاربين، ولا يترك أمامهم حلًّا سوى الصمود، إخفاء رائحة خوفهم، التي تشمُّها الكلاب جيدًا؛ فتهتاج " . .
.
بهذا الإيقاع التصويري والسردي نمضي مع قصص المجموعة التي هيأ لها الكاتب عُنصري الجذبِ و التشويق دون أن يَضعَ نهايةٍ مُحددة للقصةِ ، مُتيحًا مَساحة للقارئ في التفاعل والمشاركة الذهنية مع النص لإعادة إحياؤهُ.
الزمان والمكان والشخصيات :
نُلاحظُ أن الكاتب عَدَّد ونَوَّع الشَّخصيات ما بين ( غَنيّ ، وفقير ، وموظفٍ ، وعاملٍ ...الخ ) ؛ فكان هذا التباين ضرورة كما فعل مع البيئات أيضًا التي تنوعت و كانت مُختلفة؛ فثمة قرى ، مُدن ، نجوع ، أزقة، وشوارع، وبادية وأطراف صحاري الخ ) ؛ ليتسق ذلك كلهِ مع صوتِ الناي ونغماتهِ الباعثة دائمًا على تهيئةِ النفس لصدى العزفِ عليه ؛ وبيانٍ أن الألم والشجن مَبعثهُ دائمًا اختلال في النشأةِ أو تغير في الظروف وتناقضها وتباينها عبر مرور السنواتِ من ناحية، أو تغير المكان من ناحيةٍ أخرى أو كلاهُما.
ولما كان للناي أنّاتهِ ودرجاتهِ المتنوعة كما أسلفنا نجدُ شخصيات هذه القصص تبوحُ بآلامِها ما بين الهمسِ و الاجترار المكتوم والأسى واللوعة والتحسر ؛ يرسم ذلك الكاتب بعباراتٍ دقيقة ورقيقة أشبه بمن يعزف اللحن من نوتةٍ موسيقية مُسطرةٍ بصدى تلقي الجمهور المُستمع دونما نشازٍ وهذا يُحسب للكاتب ؛ القدرة على توظيف جيد للعبارات الوصفية دون مُبالغةِ أو إفراطٍ يؤثرُ في مُتعة القارئ .
قصة جراح
ففي قصة " جِراح " نجدُ ما بين ذكريات وآلام هذا الشاب ذي السبعة والعشرين عاما – لم يُسمهِ دلالةً علي أنهُ يُمثلُ جيلًا كاملًا - الذي تم استدعاؤه لحرب يونية 67 وكيف عاد منها مبتورةً إحدى ساقيهِ، وبعد سنواتٍ يجلس متابعًا توقيع معاهدة سلام -لم نسع إليها بقدر ما نُصبت لنا كفخٍ على خريطة الطريق - لنراهُ كهلاً يجلس امام دكانهِ مع أصدقائهِ القدامى يتحلقون حول التلفاز يُشاهدون قصف بيروت، وصبرا وشتيلا، وغزة وخان يونس وجنين ويسقط الرجال والنساء والشباب والأطفال تحت أنقاض البنايات التي تقصِفُها الطائرات؛ فتفلت من مناقير حمامات السلام أغصان الزيتون , فتتفجر من ساق هذا – الشاب الكهل - المبتورة ؛ الدماء من الجُرح الذي لم يندمل.
وفي " غروب تدريجي " نلمس ذلك الغروب الذي يُسدل ستائرهُ السوداء الواعدة بالظلامِ بعد انحدار وهج الألق الذي كان وانحسر ؛ فنجد الطالب امام كشوف النجاح التي تحقق أمنيتهُ وأمنيات أهل البيت والحارة والحي ليتحقق لقب " دكتور " يسبق اسمه عاد من الكلية لتستقبله مظاهر الفرح والبهجة من أُ مه وأبيهِ بل وجارتهُ المُطلة من شباكٍ أمام غرفتهِ وهو الحالم بالغد البهيج معها ، لكن وكما وصف الكاتب " الوقت كالطرائد يُجيد الفرار " تمر السنوات لنراهُ يعود يومًا قبيل الغروب في هيئة مُزرية يرنو إلى شُباكِها فتتعثر قدماه ويتبعثر ما يحملهُ من فرش الطلاء وأوراق صنفرة الجدران ، بينما تتلطخ يداهُ وملابسه بألوان الطلاء.
وفي الخاتمة أقول: سوف نجد
نَوْح الّناي وأنينهُ حيًّا نابضًا في تلك المجموعة الرائعة بقلم كاتب وناقد قدير في " كبوْح نايٍّ قَدِيِمٍ " . ...
ســيــد جــمــعــه
ناقد تشكيلي وأديب
30 / 11 / 2023 م
إرسال تعليق