عن القراءة أتحدَّث
بقلم: هوشنك أوسي
شوارعُ مواقعِ التّواصل الاجتماعي، بخاصّة منها الفيسبوك، تمنحني الدّهشة من أداء نماذج من الكتّاب السّريعين في قراءة الرّوايات، والسّريعين في كتابة كلام (مجّاني) عنها، ضمن ريفيوهات طويلة، أطول من شارع محمّد علي في القاهرة، وأجمل من شارع الاستقلال في اسطنبول، وأكثر ثقافة من شارع المتنبي في بغداد. هؤلاء فظيعون ومسلّون للغاية! يستخدمون في ريفيوهاتهم أطقم الكلام والأحكام ذاتها؛ المتطابقة أو المتشابهة، ويطلقونها على نصوص مختلفة أخرى. وغالبًا ما تكون تلك الرّيفيوهات احتفائيّة مدائحيّة، خالية من أيّ ملمح نقدي أو أيّة نقطة يسجّلونها على الكُتب التي يقرأونها.
كذلك يدهشني نفر من الكتَّاب الذين يتواصلون سرًّا مع النقّاد والصّحافيين والقرَّاء، ويطلبون منهم الكتابة عن رواياتهم أو دواوينهم، سواء بطريقة مباشرة (وقحة) أم غير مباشرة نصف مهذّبة. طبعًا،
من حقّ الكاتب التّسويق والترويج لنتاجه الأدبي، ورفع العبء عن الناشر، لكن ليس بتلك الطّريقة التي باتت مكشوفة ومفضوحة ومثيرة للشّفقة، بل مثار شكوى وتملل البعض. لا يعلم هؤلاء المساكين، أنّ من يطلبون منهم الكتابة عن أعمالهم، هم أنفسهم يسرّبون المعلومات عنهم، ويقولون: إنّ الحرج والحياء دفعهم إلى كتابة ذلك الرّيفيو، وليس الاقتناع بجودة العمل. بمعنى، أتى الرّيفيو تحت الطّلب، وليس حصيلة متعة القراءة. والغريب في الأمر، ثمّة حالة من التّفاخر والتّباهي بريفيو، كانت ولادته قيصريّة، تحت طلب الكاتب نفسه!
كذلك يدهشني بعض الكُتّاب المبتدئين الذين لا يشتغلون على تطوير أنفسهم ونصوصهم، بقدر ما يشغلهم الظّهور في صفحات وحسابات كتّاب وكاتبات معروفين، ورشق نصوص المشهورين بالتعليقات، وتدبيج الرّيفيوهات عن كتبهم، على أنّ ذلك سيكون معبرًا لهم نحو الرّواج والشّيوع والشّهرة والتّحقق. عملاً بمبدأ: من جاور كاتبًا مشهورًا في الفيسبوك، صار مشهورًا مثله. وعليه، الكاتب المبتدئ مبتدئ حتّى في تملّقه/ا وتزلّفه/ا، وغبيّ/ة أحيانًا.
إذا رأيت كاتبًا معروفًا لم يقدّم جديدًا في نصوصهِ الرّوائيّة الجديدة، اعلم أنّه قليل أو عديم القراءة. الكاتب الذي يكرِّر نفسه، لا يقرأ. معين الكاتب قراءاته. مصدر دخله الإبداعي وتخصيب نصوصه بالجديد والابتكار، هي قراءاتُه. وهناك مصدر خفي يعينه على فقر دم القراءة المزمن لديه، هو الاختلاس (الأدبي) الذّكي أو الغبي. ذلك أنّه لا جديد من دون قراءات حثيثة دائمة جديدة. لكي يكون نصّك قيمة مضافة إلى منجزك الأدبي، وإلى قراءات الآخرين، عليك بالقراءة أيّها الكاتب. من يحترم نفسه، لا يقرأ لنفسه، بل للآخرين.
إذا لاحظتم كاتبًا أو كاتبة يكرَّران كلامهما في النّدوات العامّة والجلسات والقعدات الخاصّة، تأكّد أنّهما قليلا القراءة أو لا يقرأان البتّة.
الكاتب الذي لا يقرأ، دائمُ العودة إلى رصيده السّابق، يلوكه ويعيد تدويره ويجترّه، حدَّ التلف، ويسهو أنّه بالتقادم ومن فرط التكرار، صار النّاس القريبين منه، يحفظون كلامه عن ظهر قلب.
حاصل قولي: الكُتَّاب الجيّدون المنتجون للمُتعة والمعرفة، قُرَّاءٌ جيّدون.
الحمد لله على نعمة القراءة الحقيقيّة، الجادّة والعميقة.
إرسال تعليق