وجهتك إلى اليسار
قصة قصيرة
هوشنك أوسي
أن تتوه مع حسناء في كبد القاهرة، هذا يعني الشيء الكثير لليل المدينة الطويل. الزحام والضجيج كريمان جدا في إطالة الطريق، ويضيفان إلى التيه المزيد من نهكات الفرح والجمال، تماما كما يضيف الحلواني إلى قطعة الكيك الشوكولاته السائلة.
عينها على الطرق، والعين الأخرى على شاشة الموبايل تتابع خط السير الذي يتمادى في المناورة والمرواغة والتورط في ألا يكون لذلك التوهان نهاية منطقية عاجلة، ظالمة وغير عادلة. كيف سيسمح لنفسه مفارقتها وهو ممعن في معانقتها وتقبيلها بعينيه؟!
قلبها يريد، وقلبه كذلك. الليل يريد والطريق كذلك. وأحيانا، تفعل الأقدار ما لا تريده.
ترتدي قميصا أزرق يكشف عن القليل من المرر المرصع بنقاط العنبر. وبنطلونها الجينز، يتلاعب بجمر الاشتهاء تلاعب بهلوان حريف بالنار تحت خيمة سيرك. الشق الموجود في أسفل البنطلون، كشف عن ساق عاجية، تناجي، تستصرخ، تطلق نداءات استغاثة.
فجأة، انتبهت إلى أفاعيل بنطلونها، ولم تسع إلى كتم أو مداراة أنين ساقها المنحوتة من حجر الرغبة بإزميل الفتنة. قميصها فخ لئيم، وبنطلونها مكيدة كبرى، وجليسها هر كردي شريد.
من حقها أن تفتخر بما لديها من كنوز، وليس من حقها، بل حرام عليها عدم التصدق بقليل منه على البشر. من تزكي عن جمالها تطهره، ويزيده الله ويطرح فيه البركة ودوام التألق.
كطبق من فاكهة استوائية غزيرة المذاقات، جالسة إلى جواره، ويده لم تكن مغلولة بالخوف والتردد، ولم تشللها عن الحركة الخشية من النتائح وردود الأفعال. يد المتهور متهورة أكثر من صاحبها. لكن، شيء ما منعها من التمدد والاقتراب من طبق الفاكهة وتحسسها تحسس الأعمى للاشياء على أقل تقدير، وليس التقاطها وضمها وشمها ثم قضمها.
هو يريدها بشغف ولهفة أيل جبلي، وهي تريده بظمأ غزالة مغرورة تكتم رغبتها الضارية في موسم التزاوج. وفي التقاء الرغبتين كماردين مهولين يتصارعان على مملكة غير مرئية، كانت لشاشة الموبايل قولها الفصل: "وجهتك إلى اليسار".
نظر إليها نظرة من لا يريد مغادرة الحياة وهو على فراش الموت، فوجدها إلى يساره. بالفعل كانت وجهته، ولم تكن.
أما هي، نظرت إليه بصمت يتوعده بالثأر منه ومن ضجيج المدينة، بتيه آخر، أجمل من سابقه.
لحظة الافتراق تلك، ذكرته بفكرة قالها قبل سنوات لامرأة أخرى: الجميلة التي تجالس رجالا إلى يمينه، تغادره، بينما التي تجلس إلى يساره، إذا غادرته، فلكي تعود إليه مجددا.
4/2/2025
القاهرة
إرسال تعليق